أحمد عبد الباقي

60

سامرا

فلما عاد أبو حرب شكت اليه الامرأة سوء معاملة الجندي التركي ، لأن العرب لم يألفوا نزول الجند قسرا في بيوتهم . فاخذ سيفه وبحث عن الجندي ، فوجده وقتله . ثم هرب من ملاحقة السلطة وقصد أحد جبال الأردن وأقام مختفيا . وقد جعل على وجهه برقعا لئلا يعرف « 17 » . وكان يظهر في النهار متبرقعا ، فإذا جاءه أحد أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر ، فإذا استجاب له ذكر الخليفة وما يأتيه من الاعمال القبيحة ويعيبه عليها « 18 » . فاستجاب له جماعة من فلاحي تلك الناحية والقرى القريبة منها ، رغبة في التخلص من أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية السيئة . وزعم المبرقع انه أموي ، ولعل ذلك كان سبب تخوف السلطة من توسع دعوته ، لا سيما أصحابه زعموا انه السفياني « 19 » . وكان ممن استجاب إلى دعوته جماعة من رؤساء اليمانية انتصارا له وعصبية لأنه من اليمانيين ، منهم زعيم يقال له بيهس وكان مطاعا فيهم ، ورجلان آخران من أهل دمشق « 20 » . مما جعل الخليفة المعتصم باللّه يهتم بأمره ، فسير اليه القائد رجاء الحضارى في زهاء الف من الجند . فلما اتاه رجاء وجد جماعته يزيدون على مائة ألف ، فتحاشى الاصطدام بهم . ولقلة خبرة المبرقع العسكرية فإنه لم يبادر إلى مهاجمة الجيش الذي قدم لتأديبه . وقد عسكر رجاء بعيدا عنه واخذ يشاغله ويطاوله حتى آن وقت الزرع فانصرف من كان مع المبرقع من الفلاحين إلى أراضيهم ، ولم يبق معه الا قرابة الألفين . ونظرا لقلة معرفتهم بشؤون الحرب فقد استطاع رجاء الحضاري ان يفل جمعهم بسهولة . ويقول مسكويه : فتأمل رجاء عسكر المبرقع فلم يجد فيه من له فروسية غيره ، فقال لأصحابه لا

--> ( 17 ) نفس المصدر / 116 ، وتجارب الأمم 6 / 527 ، والعيون والحدائق 3 / 408 . ( 18 ) الطبري 9 / 116 ، وتجارب الأمم 6 / 527 ، والكامل 6 / 522 . ( 19 ) نفس المصادر . ( 20 ) الكامل 6 / 522 ، والطبري 9 / 116 .